السيد الطباطبائي
175
بداية الحكمة ( تحقيق الزارعي السبزواري )
فحصول العلم للعالم من خواصّ العلم ، لكن لا كلّ حصول كيف كان ، بل حصول أمر بالفعل فعليّة محضة لا قوّة فيه لشيء مطلقا ، فإنّا نشاهد بالوجدان أنّ المعلوم من حيث هو معلوم لا يقوى على شيء آخر ، ولا يقبل التغيّر عمّا هو عليه ؛ فهو حصول أمر مجرّد عن المادّة خال من غواشي القوّة ، ونسمّى ذلك : « حضورا » . فحضور المعلوم يستدعي كونه أمرا تامّا في فعليّته من غير تعلّق بالمادّة والقوّة [ الذي ] يوجب نقصه وعدم تمامه من حيث كمالاته التي بالقوّة . ومقتضى حضور المعلوم أن يكون العالم الذي يحصل له العلم أمرا فعليّا تامّ الفعليّة ، غير ناقص من جهة التعلّق بالقوّة ، وهو كون العالم مجرّدا عن المادّة خاليا عن القوّة . فقد بان أنّ العلم حضور موجود مجرّد لموجود مجرّد 1 ، سواء كان الحاصل عين ما حصل له كما في علم الشيء بنفسه ، أو غيره بوجه ، كما في علم الشيء بالماهيّات الخارجة عنه . وتبيّن أيضا : أوّلا : أنّ المعلوم الذي هو متعلّق العلم يجب أن يكون أمرا مجرّدا عن المادّة ؛ وسيجيء معنى تعلّق العلم بالأمور المادّية 2 .
--> ( 1 ) اعلم أنّ في تعريف العلم مذاهب مختلفة : الأوّل : ما ذهب إليه الشيخ الإشراقيّ ، وهو أنّ العلم عبارة عن الظهور ، راجع حكمة الإشراق : 114 - 115 . الثاني : ما ذهب إليه أبو الحسين البصريّ وأصحابه ، وتبعهم الفخر الرازيّ ، وهو أنّ العلم حالة إضافيّة بين العالم والمعلوم . راجع شرح مسألة العلم : 29 ، وشرحي الإشارات 1 : 133 - 134 ، والمباحث المشرقيّة 1 : 331 . الثالث : ما ذهب إليه صاحب الملخّص - على ما في الأسفار 3 : 290 - وهو أنّ العلم عبارة عن كيفيّة ذات إضافة . الرابع : ما ذهب إليه بعض آخر ، وهو أنّ العلم عبارة عن صورة منطبعة عند العقل . هذه الأقوال تعرّض لها ولنقدها صدر المتألّهين في الأسفار 3 : 284 - 296 . والخامس : ما ذهب إليه الأشاعرة ، وهو أنّه صفة ذات تعلّق . راجع شرح المواقف : 272 . وعرّفوه أيضا بتعاريف اخر ، ذكرها المحقّق الطوسيّ في شرح مسألة العلم : 23 - 26 . ( 2 ) راجع الفصل الآتي .